قصة قصيرة: مراقب جيد - مسعد السالمي - اليمن

 مراقب جيد

قصة قصيرة

مسعد السالمي

اليمن



ينفث سيجارته في الخواء مضيفا على المكان عتمة كئيبة رافعا قدمه اليسرى فوق تلك الطاولة الصغيرة القابعة جوار فراشه الرث، يطيل ارتشاف تلك السيجارة نافثا دخانه بخمول واستهزاء وكأن كل مخلوقات الكون تحت قدميه، ترن أجهزة الهواتف التي كتب لهن القدر لمعاشرته، والعذاب لخدمته، تسرف في الصراخ احداهن ولا يأبه لأحدٍ منهن إلا بعد أن يصر أحدهم على إزعاجه وازعاجه كثيرا.

ممتعضا: يا للحماقة. من هذا الذي يأبى الا ازعاجي في هذا الوقت؟

طوال الوقت وهو على هذه الحالة في مملكته المترامية الأطراف دهشة ومعرفة واتقان كما يثرثر بها وهماً. واخيراً يرد على أحدهم مستعيد توازنه حول نفسه للجلوس متحدثاً بلكنته المعتادة استعلاءً وغرورا لا حدود لهما، مهاجما:

-         انا لست بخير لكنني متابع مسيرتكم خطوة بخطوة.

لا يتيح للطرف الآخر الحديث عن ماهية اصراره بالاتصال به مطلقا سوى بضع كلماته هو.

-         انا اعرف كل شيء جيدا، ومدرك كل ما ستقوله، ولهذا لا عليك اختصر الوقت، انا متابع بدقة كل ما يحدث، أخباركم تصلني في أسرع وقت، حتى قبل عودتكم إلى منازلكم او التفكير بالاتصال بي، انا منشغل الآن ولا أستطيع ان اكلمك لظروف العمل السرية، سنتواصل لاحقاً.

يغلق سماعة الهاتف فورا دون أدني اهتمام بمكانة او شخصية او ما سيقوله الطرف الاخر، يستمر بوحل الغرور كثيرا، يفقد الكثير والكثير ممن كانوا حوله، ووفقا لآخر خبر عنه سربته أحد النمل اثناء التسوق، ان جيش من النمل بدأ يتقدم من أطراف أصابع قدميه وهو لا يأبه لهن ايضا، حتى هن لا تأبه لحديثه الفظ ووعوده المتغطرسة، مع مرور الايام تتجرأ أكثر وتتسلق سيقانه، كان أحد النمل يذهب بعد العمل المجهد أثناء الليل لأحد النوادي المجاورة لرفع الأثقال لأنه يشعر بأنه أصيب بداء التخمة الزائدة على الرغم من العمل المتواصل، تتجمع صغار النمل بعد انتهاء العمل كل يوم للمرح والترفيه وتبادل الحديث المضحك عن بعضهن، حتى يصلن الى تساؤل جاد؛ لماذا لا نحذو حذو اقوياء النمل الشجعان في العمل والقوة؟

يتطور اللعب الى سباق لمقياس القوة لدى الصغار، حتى يصلن نهاية المطاف لاستعراض عضلاتهن أمام كل الصغار، ترتفع الضحكات فينزعج مشرفي المكان، حينها يغادرن كل مخدعه بأدب إلى يوم الغد.

لا زال كعادته لم يصدق إلا كذبه وغروره اللامحدود، ذهب كل من حوله بعيدا جدا؛ الأصدقاء، رفقاء الطفولة، حتى اقرباءه، لم يعد لديه سوى مملكته الوهمية المترامية الفراغ والحسرة.

في احدى لحظات الراحة من العمل المجهد همست أحد النمل لصديقتها:

-         يا للهول لقد رحل والده عن الحياة وهو منغمساً في مملكته المكذوبة منشغلا بفراغه عن رؤيته...! كيف له أن يعيش؟؟

بعد بضع اسابيع قام النمل بعمل اعلان ثوري، لاستنفار جميع جبهات النمل للتوحد والاتفاق للعمل وفق خطة واحدة بكل وحداتها، وانتخاب كتيبه من محاربين جيش النمل الاشداء، للإسراع بتنفيذ الخطة قبل مجيء موسم الشتاء، اجتمعت اعداد غفيرة من ممالك النمل للاحتفال الكبير بمناسبة التقارب والتعايش والشراكة في اطياف النمل المتعددة، وكذلك لمشاهدة النخبة من بني جنسهم المنتقاة بدقه كبيرة، لخبراتها وتكتيكاتها الحربية، وشجاعتها وقوة تحملها للعمل طويلا  في هذا العمل العظيم الذي سيذكره التاريخ، لتتناقله كل أجيال النمل المتلاحقة عبر العصور القادمة..

يرن الهاتف مرارا، ربما كان على غفلة أثناء نعاسه الدائم قبل او بعد نومه المتواصل، يتحسس بأطراف اصابعه وبصعوبة مصدر الصوت وعيناه شبه مغمضتين ليقع اصبعه سهوا على زر الإجابة، حاول رفع راسه كالعادة فور معرفته بصوت صديقه ربما القديم، بدأ دون ملل أو كلل نسج أحاديث خيالية وبطولات وطنية لا واقع لها، قاطعه صديقه هذه المرة بحزم:

-         اعرف جيدا أنك تعرف كل شيء، ونحفظ عن ظهر قلب كل مشاريعك الوطنية.

بحشرجة يرد عليه:

-         أنني بخير وأشعر بجسدي اللحظة يذهب. اه ه ه . لا أعرف ماذا يحدث في عنقي. جميل أنك اتصلت بهذا الوقت... الووه. الووه.

لم يستوعب أن التلفون أغلق في وجهه من الطرف الاخر هذه المرة، وان كل من هناك لم يعد يحتمل هذه الأحاديث المكذوبة، وبدورها النمل تتهيأ للاحتفال بالانتصار الكبير، دفوف الطبول وكل أشكال الرقصات الشعبية تختم بروفاتها النهائية هذا المساء استعدادا للاحتفال العظيم، يقاوم بصعوبة مجددا محدثا نفسه وعيناه الناعستين لا تزال صوب شاشة هاتفه:

-         تبا لك أنني اشوفكم بوضوح أراقب تصرفاتكم بدقة، اخباركم ملاذها عندي، تبا لك كيف تغلق في وجهي؟؟

يقع جهاز الموبايل من يده منزلقا صوب الاوراق المتناثرة واعقاب السجائر ربما كأخر قبضة له في الحياة بعد عشرة عامرة بالكذب والزيف، والخديعة، يتنفس بصعوبة بالغة... يتأتى، يرن جهاز الموبايل مرة أخرى، لا يستطيع الحركة، شلت حركات أطرافه فجأة، ولأول مرة في تاريخ تلفونه الخدمي يشرع النظر اليه بشغف مليئا باللهفة، اسم والدته يضيء الشاشة، تعاود الاتصال مرتين فاكثر ينظر إليه ساعيا لأخذه، يحاول الاقتراب، يحبو، يستميت، باءت كل محاولاته بالفشل، وعلى وقع نغمات جهاز الموبايل تقهقه النمل كونها قاربت من موعد الاحتفال العظيم.

يواصل جهاز الموبايل عزف تلك المقطوعة الكئيبة، وفي الجهة الاخرى كعادتها أمه المسكينة تنهال عليه دعاءً كونه منشغلا لا يستطيع الرد على اتصالاتهم منذ مدة، لانشغاله بمراقبة أوضاعهم والاطمئنان عليهم حسب قوله من جهات غير معروفة لم يفصح عنها بعد، يصرخ الهاتف كآخر رنة له في مسامعه في هذه الحياة، يشعر من خلالها بالوهن والفرح في آن لنهاية هذه الرفقة الكئيبة، تبدأ النمل بتنفيذ خطتهن الشجاعة والنهائية؛ فصل الجزء الاخير من الجسد المتصل بالراس، يشهق شهقته الأخيرة وهو يلفظ آخر أحرف له في هذه الحياة متجمداً في لسانه:

إ   ن  ن  ي   

  أ ر   ا   ق   ب   ك    م    

    جــ..  ييييـ.........



اليمن -الحديدة

24 ابريل 2016م

 

Comments

Popular posts from this blog

نقاء النفس والجائزة العظيمة - مسعد السالمي

لون في الذاكرة - قصة قصيرة - مسعد السالمي

القلق - مسعد السالمي