سبيل البقاء - قصة قصيرة - مسعد السالمي

 


سبيل البقاء

قصة قصيرة

مسعد السالمي

اليمن -صنعاء

الكل متعب ويشعر بالبرد خلاف السكان المحليين المتذمرين من الاجواء الحارة[1]، في الجهة الاخرى من بهو الملعب المعشوشب جوار اعمدة المرمى الصدئة، كان هناك رجل اسمر طويل ذو جسم رياضي، تغازل قدميه الكرة التي كادت ان تفقد لونها ومكانتها جراء الهجران والتسيب، يهتف إلى ابنه وابنتيه للمجيء، ليتشاركا معا مداعبة الكرة لإحيائها مجددا، في المقابل رجل آخر يباشر مسرعا بالمجيء من صوب البوابة إليهم صارخا في وجوههم:

-         ممنوع... ممنوع.. من سمح لكم بأخذ هذه الكرة؟ من أين أخذتها؟

يمسك الاب الكرة في يديه متجها نحو الرجل الذي تبين لهم انه الحارس، متحدثا بابتسامة يملأها وجع لو وزع على أهل الأرض لكفاهم في البقاء ما بين الألم والحزن إلى ان تقوم الساعة، قائلا له:

-         لا عليك اخذتها بأذن من المدير بوعد ان اعيدها لك وقتما تشاء، لدي ابنة تعشق الكرة كعشق ابيها ولهذا سنتدرب قليلا إلى ان يتم توزيعنا.. لا تقلق، الحارس بلهجة استعلائية، غير مباليا بكل ما في المكان باستثناء الفضول في اطفاء أي بذرة نور تنبء بالفرح لأي كائن حي في هذا الكون:

-         تمام، لكنني اعرفها منك إذا حدث لها شيء او فقدت!

-         ولماذا تفقد؟

-         نحن هنا كل شيء لا نعرف كيف يتبخر في الهواء على الرغم من كونه أمام اعيننا، كن حذرا.

انصرف إلى حال سبيله لمتابعة مهامه التي وجدت فجأة دون سابق انذار، وعاد مبخوت إلى ابنتيه (رهف و بسمة) وابنه (وجدي) غامزا بأحد عينيه: (استعدوااا)، مسددا رمية نحو المرمى الذي يحرسه وجدي وبقاء الفتاتين كفريق الخصم لأخذ الكرة منه، الضحكات تعلو رويدا رويدا والام (سحر) تراقب شغف عائلتها من جوار سارية العلم متكورة بردا حول نفسها مع ما تبقى لهم من ممتلكات بسيطة، ينادى بصوت من أمام أحد الفصول المقرر كمكتب خاص للمنظمة:

-         مبخوت حسن الزبيدي.. مبخوت حسن الزبيدي...

يمرر الكرة باتجاه ابنته رهف ويتحرك نحو المكتب المؤقت وكان مدرب المنتخب دعاه لتبديله بلاعب آخر لأخذ مكانه لتغيير طارئ في خطة اللعب مع الخصم، قاطعا المسافة الفاصلة بخطوة رياضية مثالية ملتقطا انفاسه:

-         هل أنت مبخوت؟

-         (بابتسامة) نعم، الكابتن مبخوت.

يعرض عليهم هويته الشخصية مدليا بكل المعلومات المراد تدوينها، يأخذ مخصصه من الفرش والبطانيات والوسائد وقليل من سبل التغذية الفورية المتواضعة، تاركا توقيعه الاستثنائي في مستند التوقيعات مقابل اسمه، يرف بيديه لفتاتيه وابنه للمجيء، يضعون كل ما لديهم بهدوء جوار السارية بالقرب من الام إلى ان يحصلون على أحد الفصول حسب آلية توزيع افراد المنظمة كمأوى جديد مؤقت حتى يتسنى لهم من خلاله التفكير بصياغة حياة جديدة، والتكيف مع هذا الواقع الذي فرض فجأة إلى أجل غير مسمى.

تتحدث بسمة وفي يديها الكرة (هيا لنعود...) الأب مؤشرا بكفه: اذهبوا سأبقى مع امك لدينا بعض الحديث، مسنداً ظهره باتجاه السارية، رافعاً كفيه خلف رأسه، تارك المجال لنفَسٍ لا يعي كيف صعد بهذه العاصفة من الألم المدفون عمدا في رئتيه، لحظات وأنا اتقمص الفرصة المتاحة للحديث معه متعللا بممارسة دوري بالتقييم وتدوين المقترحات والرصد، واستكمال ما يحتاجونه لتوفير وترتيب ما تبقى من تجهيزات لإيواء لكافة الوافدين الجدد في هذا المركز، جرى الحديث كالعادة أثناء الجلوس مع أي حالة جديدة قذفتها رياح الحرب بعيدا عن مسكنها واحلامها عنوة.

يتحدث مبعدا عيناه عمدا عني حتى لا اصطاد وجعُ ما يتجول بصمت وبحرقة في عينيه ساردا:

كنت لاعب كرة قدم في المنتخب الوطني، كرست جهدي لرفع اسم وطني عاليا بفخر، و منها سافرت الكثير من البلدان، عشت لحظات لا يسع الكون ان يحوي سعادتي في كل مشاركاتي وتمثيلي، والحمد لله، كنت راضيا ومتحمسا للمزيد أيضا، وفي الاوان الاخيرة أصبحت مدربا لدى إحدى الاندية في مدينة تعز، ومن تلك المدينة صقلت حلمي ليصبح واقعا، بدأت حينها بتكوين اسرتي الصغيرة، وعشت حياة جميلة، بنينا هذا الفريق من الأولاد الذين تراهم هناك أمام المرمى، لم يكن هناك سقف لحلمنا أنا وزوجتي في رسم مستقبل جميل لبيتنا الصغير، زوجتي ايضا تعمل في إحدى المدارس الاهلية، نمتلك شقة بسيطة في منطقة الصراع، اصرّ الكثير من الاصدقاء للخروج من المدينة لفترة وهي قصيرة حسب قولهم والعودة كالكثير من الناس، لقراءة تخيلية عمياء بان امد الصراع لن يطول، غادرت حينها المدينة ببعض ما نملك صوب منطقتي الام منطقة المخا؛ المدينة التي وصل صيتها العالم بما كانت تصدره من منتجات يمنية خالصة الهوى والهوية، وكعامة الناس محاولا بكل قواي ان اكبح جماح شغفي وان اواكب الاحداث حتى تستقر الاوضاع، لأعود مجددا كما كنت رقما وطنيا في كرة القدم، كان يجب عليّ البقاء مع اسرتي لممارسة الحياة ببساطة في حارتي.. منطقتي الام، بين أهلي واقاربي والاصدقاء القدامى، وعدت كعامة الناس، جاهدت الصبر والوطن يذهب بعيدا نحو القتلة.. واصبحت واسرتي كقشة تتقاذفها رياح الحرب من منطقة إلى أخرى ومن مدينة إلى مدينة، ومن مدرسة إلى مركز، حتى وصل بنا الحال إلى هنا، هذه الساحة كما تشاهد الآن. ويتأوه وجعا لا آخر له..

حاولت الالتفات الى زميلٍ  لي ومناداته بمزيد من العمل لخلق فاصلا زمنيا له للملمت شتات وجعه ووجعنا جميعا، عندها كنت بين شعورين غريبين، وعليّ ان اصنع شعورا آخر، الشعور بالسوء كونني فتحت مجال الحديث عن الماسي التي مر بها وأسرته وغيرهم من مناطق الصراعات المتعددة، فجميعنا نتقاسم نفس الوجع، فقط تختلف درجات وكيفية الوجع من شخص إلى آخر، وشعور ثان كان يشدني الشغف علّي اكتشف معاناة مختبئة خلف جدران المتعففين من الشكوى للبشر، وما يحدث لهم من شروخ تخلف دمارا نفسيا أكبر من كل ماديات العالم، وشعور آخر حتى يخرج كل ما في جعبته ليشعر ولو لوهله انه تخلص من آهات تسلبه مسببات الحياة، ابدو متحمسا لشعوري الأخير ملتفتاً اليه وما ذا بعد يا كبتن:

لقد خرجنا عنوة مرة أخرى من قريتي لدواعي الحرب والحفاظ على الارواح، وما سيكون عليه حال المنطقة في الأيام القادمة، كان عليّ وعلى آخرين غيري ان نأخذ الحيطة والحذر للبقاء على قيد الحياة، واخذ ما نستطيع متوجهين صوب المدارس ومراكز الايواء المحددة من قبل المنظمات والمؤسسات خارج المدينة، وعشنا هناك مجددا ما بين انتظار الحياة وانتظار الموت، وبين الآمال المعلقة لنعود إلى ديارنا للحلم وبنا ما هدمته آلة الحرب القذرة، ما ذنب كل هؤلاء الذين تشاهدهم، كنا كثيرا جدا، افترشنا الساحات بلا مأوى ولا كهرباء ولا ماء ولا تغذية، لعلك لا تتخيل واقع تلك الأسر التي كانت لديها عجائز لا يقوون على الحركة بل مقعدين، وتراهم في حر الشمس[2] بانتظار مندوبي المنظمات لصرف الخيام وبعض المواد الغذائية التي لا تكفي، أي حياة هذه التي تجعل الجميع ينتظر ان ينادى باسمه لوضع بصمته انه استلم ما ينتصر به على موته جوعا، الجميع  يفترش العراء مع عائلاتهم كفريسة سهلة لحر الشمس الملتهبة، و للفريسة الكبرى (الوباء)[3]، حينها نشاهد غالبية المنظمات تستثمر ادميتنا مستغلة كل الآمنا واوجاعنا بصورة بشعة، لتنقله بهيئة صورة مزورة بابتسامة محسنة، ليخبروا العالم اننا نعيش الحياة بأريحية وسعداء كثيرا بما قدم لنا، وعلى ذلك تتناقل الخبر كافة محطات العالم لاستثمار المزيد من الارصدة والسيارات الفارهة، ها أنا هنا وأخرين ممن دفعوا ضريبة الصراعات في جميع مناطق وطني، لا نريد كل ما تنفقه مؤسسات هذا العالم من أجل نقل صورة لي أو لزوجتي أو لطفلي أو لشخص ما هنا أو هناك يتضور حياة مستقرة بابتسامة كاذبة، نريد ان تقف هذه الحرب ويقف كل هذا العبث والاستثمارات والمساعدات، والاكاذيب، نريد وطنا امنا مستقرا، أريد ملعبا وكرة قدم ومجموعة من الفتيان لنصيغ حياة جديدة لرفع اسم اوطاننا عاليا بدلا من ان ترفع اسمائنا مقابل اسم اوطاننا تحت فئة نازحين وطنيين، ونتقبل هذا الامر ببلادة، لنعيش الحياة رغم انوفنا تحت هذا الاسم الذي اصبح للأسف كلعنة كونية حلت علينا، أي حماقة ان نكرس ثقافة الايواء والنزوح وان نكيف انفسنا لمعايشتها كواقع محتوم ونكتبها في مذكراتنا وكتبنا لننقلها للأجيال القادمة... يصمت لوهلة، تنبعث تأوهات لا اراديا كحالة ضعف انتابته مبعدا وجهه متأملا فضاء هذ المكان، زوجته تذهب مع أولادهما وقد التف حولهم بعض الشباب للعب والمرح لكسر رتابة الانتظار الأليم حتى توزيعهم في فصول المدرسة، وبدورها الشمس تتدحرج نحو المغيب، والجميع باقِ في الساحة، وتلك اللجان بأفرادها يملؤون المكان ذهابا وايابا.. يعود إليّ معتذرا، ولم ابدي تذمري مستمتعا منصتا للحديث معه، يواصل حديثه قائلا:

حينها وردت اخبار بان نرحل مجددا من ذلك المركز إلى مدينة الحديدة[4] وان هناك سيكون الحال افضل مما كنا عليه، كان علينا ان نتخلص من بعض ممتلكاتنا ونذهب كالجميع، منكسرين لسبب عدم عودتنا ديارنا، واطالة جولات الحرب أيضا هناك، واستمر الحال عامين ونصف لم استقر في تلك الاماكن المخصصة للإيواء لعدم ايماني بهذه الحياة القابعة تحت مسمى نازح، بحثت عن عمل بسيط، عن طريق بعض الاصدقاء حصلت على منزل متواضع في اطراف المدينة باتجاه دياري (المخا)، جاهدت لألملم حلمي وشتات ذاتي لأبدا حياة جديدة، علّي أغرس ألف حلم وألف وردة من جديد في ارواح هؤلاء (مؤشرا بسبابته الى الملعب)، وفعلا انتقلت من عمل إلى آخر خلال الفترة نفسها، حتى استقرت بي الحياة مجددا بعيدا عن عالم الرياضة (كرة القدم خاصة) التي تناساها الكثيرون للوضع المعيشي المفروض علينا عنوة، تاركين الفضاء للقتلة للتجول وليصبحوا لاعبين وابطال وطنيين في سفك أحلام و دماء هذا الوطن، حقا صنعوا وبنوا تاريخا يليق ببشاعتهم، بقينا نتحسس الحياة حتى الشهر الثامن من السنة الثالثة تحديدا إلى ان وصلت رياح الحرب مجددا تهز تلك الأحلام التي سعينا لترميمها أكثر من سعينا للبقاء على قيد الحياة، دوت أصوات الانفجارات والقذائف بالقرب وبشراسة، سقط جارنا وزوجته ضحية هذا العبث، وكانت هذه الحادثة عربون مغادرتنا للمنزل بعد ان سئمنا الخروج والترحال، غادرنا للجهة الأخرى من المدينة عند أحد الاصدقاء، تطورت الاحداث والتأجيج، واصبحت الحياة لا تطاق لمعظم السكان، توقفت على اثرها الحياة في المدينة، وكالمعتاد تركنا الكثير مما لدينا واخذنا القليل.. متنقلين من صديق إلى آخر.. لأجد نفسي فجأة في قارعة الطريق، انتقل واسرتي من مركبة إلى أخرى حتى استقر بنا القدر هنا، لا أعلم أي حياة قد تكتب مجددا..؟ وأي مستقبل سيتم دفع ضريبته..! دمرت أحلامنا.. مللنا الرحيل.. نريد ان ننتصر على هذه الحرب و نلحق اماكن سعيرها نحن، لنطردها خارج اسوار الحياة كما تلحق بنا هي وتفعله..

يصمت لوهله.. ويعاود الحديث بابتسامة مؤلمة:

دخلت هذا المكان لم يثير اهتمامي سوى تلك الكرة المنسية، وهذه المساحة الصغيرة تحت هذه السارية، عساهما ينسياني هذا الواقع المر، الذي اختصر لي الوطن بهذه المساحة وهذه الرفاهية على الرغم من كون السارية فقدت ايضا بريقها و لم تعد تحمل حتى العلم الوطني، لكنه باق يرفرف في قلبي (مؤشرا نحو صدره)، وقلوب الكثير من ابناء هذا الوطن الشرفاء مهما طالت مشاريع القتلة، وسيبقى الأمل بالوطن المنشود يشتعل في اوردتي واوردة الكثيرين غيري من مَن تراهم امامك او خار اسوار هذا المكان، منفيين في هامش الحياة مُبعَدين قسرا عن مساكنهم واحلامهم، ومن مسار حكاياتهم الباذخة وجعا، ستكتشف الكثير من الالم، لن يسعك الوقت والقوة ان تكتبهم في اوراقك...

ملتفتا الي رافعا يده بالمصافحة للتنبيه بطريقة مؤدبة بان جلسة الحديث انتهت.. خاتما حديثه بعدها:

يحتم علينا في سبيل البقاء، قليلُ من الحلم، مزيدُ من الصبر.. كثيرٌ من الوجع..

آآآآه  يا صديقي .. تبا للحرب.. وللقتلة الوطنيين.. ويحيى الوطن..

 


صنعاء/ 8 يوليو2018م



[1] الاجواء صيفية حارة بداية موسم الامطار (هو بمثابة حر للسكان المحليين لصنعاء والمناطق الجبلية) بينما للوافدين من المناطق الحارة كمنطقة تهامة يعتبر باردا وخصوصا اثناء المطر مقارنة بمناطقهم الاصلية ذات الاجواء الحارة جداً.

 

[2] الشمس في المناطق الساحلية  تكون شديدة الحرارة علاوة الى كونه موسم الصيف شديد الحرارة في المناطق الساحلية والجنوبية الغربية لليمن.

[3] وباء الكوليرا

[4] مدينة الحديدة مأهوله بالسكان وتحت سيطرة الحوثيين وفيها الميناء الوحيد لدخول البضائع والمواد اللازمة على ساحل البحر الاحمر، منطقة صراع بين التحالف والشرعية من طرف والحوثيين من الطرف الاخر من الصراع.

Comments

Popular posts from this blog

نقاء النفس والجائزة العظيمة - مسعد السالمي

لون في الذاكرة - قصة قصيرة - مسعد السالمي

القلق - مسعد السالمي